حيدر حب الله
342
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
فهذا أمرٌ يشترك معه فيه الكثير من أطفال الشوارع وأبناء الأسر الممزّقة وغيرهم ، فما هو الموجب لتركيز النظر بهذه الحدّة على ابن الزنا ؟ ! بل لو كان هذا هو السبب لكان اللازم بالشريعة أن تدعو لاحتضان ولد الزنا وخلق فضاء أسري بديل له حذراً من انحرافه ، مع أنّ الجوّ العام يوحي بعكس ذلك تماماً ، فيما تقدّمه لنا النصوص الحديثية في باب ولد الزنا عموماً . وبعبارة أخيرة : إنّ فرض أنّ الأحاديث تحكي عن الحالة الغالبة في ابن الزنا غير معقول ؛ إذ فضلًا عن أنّها ستكون جائرةً في حقّ ابن الزنا الصالح الذي يقرأها أو يسمعها ، لا معنى لها في مثل خبر سائح بني إسرائيل ، ولا في مثل عدم دخوله الجنّة أو وضعه في بيت في النار يتنعّم منه ، فالصالح يدخل الجنّة ، ولماذا مع صلاحه يوضع في بيتٍ في النار ؟ ! كما أنّه لا يتناسب ذلك مع سياق خبر الديلمي ، ولا خبر زرارة بعده . بل لو كانت العبرة بالغلبة لكان الأنسب الإشارة إلى ذلك ، حفاظاً على المعايير القرآنيّة في الثواب والعقاب ، نظراً لحساسية الموضوع ودفعاً لأيّ التباس في الفهم . وعليه ، فالصحيح أنّ ولد الزنا كسائر الناس ، فإذا شهد الشهادتين فهو مسلم وتترتّب عليه آثار الإسلام ، تمسّكاً بالقواعد الشرعيّة العامة في هذا السياق ، وتمسّكاً أيضاً بالكثير من النصوص التي حدّدت لنا الإسلام الواقعي والظاهري معاً ، وتمسّكاً كذلك بالنصوص الكثيرة التي بيّنت معايير الثواب والعقاب عند الله مشيرةً إلى أنّ الله لا يظلم ، وأنّه يفي بوعده ، وأنّه كريم جواد ، وأنّ العبرة عنده بالإيمان والعمل الصالح ، وإلا يلزم أن يكون طاهرُ المولد الفاسق الفاجر أحسن حالًا عند الله من ولد الزنا الصالح التقيّ الورع كسائح بني إسرائيل ! ولهذا قال الحرّ العاملي بأنّ الموافق لقواعد العدليّة هو مجازاة ولد الزنا بعمله لا غير « 1 » .
--> ( 1 ) انظر : الحرّ العاملي ، الفصول المهمة 3 : 268 .